فخر الدين الرازي

109

تفسير الرازي

العزيز بعشرين ديناراً ، وفيل أدخلوه السوق يعرضونه فترافعوا في ثمنه حتى بلغ ثمنه ما يساويه في الوزن من المسك والورق والحرير فابتاعه قطفير بذلك الثمن . وقالوا : اسم تلك المرأة زليخا ، وقيل راعيل . واعلم أن شيئاً من هذه الروايات لم يدل عليه القرآن ، ولم يثبت أيضاً في خبر صحيح وتفسير كتاب الله تعالى لا يتوقف على شيء من هذه الروايات ، فالأليق بالعاقل أن يحترز من ذكرها . المسألة الثانية : قوله : * ( أكرمي مثواه ) * ( يوسف : 23 ) أي منزله ومقامه عندك من قولك ثويت بالمكان إذا أقمت به ، ومصدره الثواء والمعنى : اجعلي منزله عندك كريماً حسناً مرضياً بدليل قوله : * ( إنه ربي أحسن مثواي ) * وقال المحققون : أمر العزيز امرأته بإكرام مثواه دون إكرام نفسه ، يدل على أنه كان ينظر إليه على سبيل الإجلال والتعظيم وهو كما يقال : سلام الله على المجلس العالي ، ولما أمرها بإكرام مثواه علل ذلك بأن قال : * ( عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً ) * أي يقوم بإصلاح مهماتنا ، أو نتخذه ولداً ، لأنه كان لا يولد له ولد ، وكان حصوراً . ثم قال تعالى : * ( وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ) * أي كما أنعمنا عليه بالسلامة من الجب مكناه بأن عطفنا عليه قلب العزيز ، حتى توصل بذلك إلى أن صار متمكناً من الأمر والنهي في أرض مصر . واعلم أن الكمالات الحقيقية ليست إلا القدرة والعلم وأنه سبحانه لما حاول إعلاء شأن يوسف ذكره بهذين الوصفين ، أما تكميله في صفة القدرة والمكنة فإليه الإشارة بقوله : * ( مكنا ليوسف في الأرض ) * وأما تكميله في صفة العلم ، فإليه الإشارة بقوله : * ( ولنعلمه من تأويل الأحاديث ) * وقد تقدم تفسير هذه الكلمة . واعلم أنا ذكرنا أنه عليه السلام لما ألقى في الجب قال تعالى : * ( وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا ) * ( يوسف : 15 ) وذلك يدل ظاهراً على أنه تعالى أوحى إليه في ذلك الوقت . وعندنا الإرهاص جائز ، فلا يبعد أن يقال : إن ذلك الوحي إليه في ذلك الوقت ما كان لأجل بعثته إلى الخلق ، بل لأجل تقوية قلبه وإزالة الحزن عن صدره ولأجل أن يستأنس بحضور جبريل عليه السلام ، ثم إنه تعالى قال ههنا * ( ولنعلمه من تأويل الأحاديث ) * والمراد منه إرساله إلى الخلق بتبليغ التكاليف ، ودعوة الخلق إلى الدين الحق ، ويحتمل أيضاً أن يقال : إن ذلك الوحي الأول كان لأجل الرسالة والنبوة ويحمل قوله : * ( ولنعلمه من تأويل الأحاديث ) * على أنه تعالى أوحى إليه بزيادات ودرجات يصير بها كل يوم أعلى حالاً مما كان قبله وقال ابن مسعود : أشد النار فراسة ثلاثة : العزيز حين تفرس في يوسف فقال لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا ، والمرأة لما رأت موسى ، فقالت : * ( يا أبت استأجره ) * ( القصص : 26 )